الغزالي
185
إحياء علوم الدين
وظن أنه قد وهب ذلك منه . فتعلق به قلبه لما ظن أنه له . فلما استرجع منه ضجر وتفجع . ومن كان عالما برسمه ، انتفع به وشكره ، ورده بطيب قلب وانشراح صدر وكذلك من عرف سنة الله في الدنيا ، علم أنها دار ضيافة ، سبلت على المجتازين لا على المقيمين ، ليتزودوا منها ، وينتفعوا بما فيها كما ينتفع المسافرون بالعوارى ، ولا يصرفون إليها كل قلوبهم ، حتى تعظم مصيبتهم عند فراقها . فهذه أمثلة الدنيا وآفاتها وغوائلها ، نسأل الله تعالى اللطيف الخبير حسن العون بكرمه وحلمه بيان حقيقة الدنيا وماهيتها في حق العبد اعلم أن معرفة ذم الدنيا لا تكفيك ، ما لم تعرف الدنيا المذمومة ما هي ، وما الذي ينبغي أن يجتنب منها ، وما الذي لا يجتنب . فلا بد وأن نبين الدنيا المذمومة ، المأمور باجتنابها لكونها عدوة قاطعة لطريق الله ما هي فنقول : دنياك وآخرتك عبارة عن حالتين من أحوال قلبك ، فالقريب الداني منها يسمى دنيا ، وهو كل ما قبل الموت . والمتراخي المتأخر يسمى آخرة ، وهو ما بعد الموت . فكل مالك فيه حظ ، ونصيب ، وغرض ، وشهوة ، ولذة ، عاجل الحال قبل الوفاة . فهي الدنيا في حقك إلا أن جميع مالك إليه ميل ، وفيه نصيب وحظ ، فليس بمذموم ، بل هو ثلاثة أقسام . القسم الأول : ما يصحبك في الآخرة ، وتبقى معك ثمرته بعد الموت ، وهو شيئان ، العلم ، والعمل فقط . وأعنى بالعلم العلم باللَّه ، وصفاته ، وأفعاله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، وملكوت أرضه وسمائه ، والعلم بشريعة نبيه . وأعنى بالعمل ، العبادة الخالصة لوجه الله تعالى . وقد يأنس العالم بالعلم ، حتى يصير ذلك ألذ الأشياء عنده ، فيهجر النوم ، والمطعم . والمنكح في لذته ، لأنه أشهى عنده من جميع ذلك . فقد صار حظا عاجلا في الدنيا ، ولكنا إذا ذكرنا الدنيا المذمومة ، لم نعد هذا من الدنيا أصلا ، بل قلنا إنه من الآخرة وكذلك العابد ، قد يأنس بعبادته فيستلذها ، بحيث لو منع عنها لكان ذلك أعظم